الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محمد بن سحنون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نفحة عطر

avatar

التخصص : ممممممممم
انثى عدد المساهمات : 516
العمر : 26
العمل/الترفيه : طالبة

مُساهمةموضوع: محمد بن سحنون   الخميس مارس 10, 2011 2:51 pm

كتبهاالدكتورمولاي إسماعيل ولد الشريف ، في 5 أكتوبر 2010 الساعة: 21:08 م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على القدوة ذي الخلق العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن سلك نهجهم واتبع طريقهم إلى يوم الدين وبعد :

فإن دراسة التاريخ وسير الرسل والأنبياء والقدوات عامة – أولئك الذين كان لأعمارهم معنى ؛ وتفاعلوا مع الحياة تفاعلا إيجابيا فاستطاعوا أن يغيروا مجراها من حولهم من أجل أن تصبح حياة إسلامية وقادوا الناس إلى عبادة الله ، أو أثروا في الحياة تأثيرا إيجابيا على أقل تقدير – ضرورة للاعتبار والاتعاظ لما تمتعوا به من جدارة بالإمامة في الدين ، ولما في حياتهم من عبر وتثبيت للأفئدة ، قال تعالى : ( كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)[1] وذلك لأن النفوس البشرية تتشابه في مواقفها المتكررة رقم تباين الناس وتقادم العصور ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل علم تسموا مكانته ويعلوا قدره على قدر تأسيه برسل الله عليهم الصلاة والسلام خاصةأولي العزم منهم الذين آخر هم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فكل علم من أمته إنما يرتشف من بحره ويقتبس من نوره ، ومن أولئك الأعلام الإمام أبو سعيد المعروف ب (سحنون) .
وقبل الوقوف مع ترجمته أذكر نفسي والقراء الكرام بأهم فوائد التراجم ، إضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه – كما أفهما-
إن أهم فوائد دراسة التراجم هي أنها :
1-تقوي في نفوسنا حب الانتماء لأمتنا الإسلامية ،وتزيد من ولائنا لها .
2-إنها تميط اللثام عن بعض أعلامنا مما يعزز من هويتنا الإسلامية العالمية ويظهر سبقنا في أمور كثيرة ، وفي ذلك رد على دعوى العولمة الغربية وأعلامها ونجومها الآفلة .
3-إن تعدد تلك النماذج وأولئك الأعلام – رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة عبر مسيرتنا التاريخية الممتدة – يعطينا الثقة بإمكان تمثل نهجهم الصالح وإحيائه في حياتنا الحاضرة والمستقبلية بثقة واطمئنان ، وفي ذلك عز ونصر.
أما عالمنا فهو : عبد السلام أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي الحمصي ، وسمي بسحنون لحدته في مسائل العلم .
ولد أبو سعيد بحمص عام ستين ومائتين(160هـ)وذهب مع أبيه إلى الأندلس ، ثم انتقل بعد ذلك إلى القيروان حين كانت أمتنا واحدة جغرافيا وسياسيا كما أرادها الله شرعا .
عصره:
نشأ أبو سعيد – رحمه الله – في ظل دولة بني العباس أيام ازدهارها وقوتها ، فرايات الجهاد ترفرف عالية في كل مكان ، والدين عزيز، والعلماء مكرمون ومشاركون في حياة الناس ومنهم القادة الميدانيون أمثال أسد بن الفرات ، والقضاة العادلون ، والعلماء الربانيون ، وقلما تجد واحدا منهم إلا وله مشاركاته وتأثيره المباشر في الناس ، والمسلمون يتنقلون من أطراف دولتهم الإسلامية الكبيرة إلى أطرافها وينتقلون من موقع إلى موقع في الجهاد وطلب العلم والتجارة ، كما ينتقل أحدنا في دويلته الأممية اليوم![2] رغم القيود والتحفظات والبون الشاسع.
طلبه للعلم:
بدأ سحنون في طلب العلم بالقيروان على مشايخها ثم رحل في طلب العلم داخل إفريقيا وكتب فيه بهلول إلى على بن زياد يقول له : إن سحنون ممن يطلب العلم لله ، فسأل عنه ابن زياد وأتاه في موضعه وأقرأه الموطأ ، وقال له : أعلمني بهلول أنك ممن يطلب العلم لله .
ثم رحل إلى مصر ، وقال سحنون : كنت عند ابن القاسم وجوابات مالك ترد عليه ، فقيل له : ما يمنعك من السماع من مالك ؟ قال :قلة الدراهم ، وقال مرة : لحى الله الفقر لولاه لأدركت مالكا .
المهم أنه سمع من كبار أصحاب مالك كابن القاسم وابن وهب وابن الماشجون ومطرف وغيرهم ، ورحل في طلب العلم إلى مصر والحجاز والشام.
وخرج من مصر إلى الحجاز حاجا مع ابن القاسم وابن وهب وأشهب ، وكان يزامل ابن وهب ، ومع ابن القاسم ابنه ،ومع أشهب يتيمه ، وكانوا يسيرون في النهار ويتدارسون العلم، فإذا جاء الليل قام كل إلى حزبه ، وكان ابن وهب يقول : ألا ترون هذا المغربي يلقى بالنهار المسائل ولا يسأل بالليل ، فيقول له ابن القاسم : هو نور يجعله الله في القلوب .
قال محمد بن حارث : كانت إفريقيا قبل رحلة سحنون قد عمرها مذهب مالك بن أنس لأنه رحل إليها أكثر من ثلاثين رجلا كلهم لقي مالك بن أنس وسمع منه – لكن الفقه و الفتيا إنما كان في قليل منهم ،كما هو الحال في علماء سائر البلاد- ثم قدم سحنون بذلك المذهب ، واجتمع له فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض ، فبارك الله فيه للمسلمين فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ قد محي ما قبله ، وكان أصحابه سراج أهل القيروان .
أهم صفاته :
كان سحنون ثقة ورعا عالما منفقا كثير الصمت لا يخاف في الله لومة لائم .
وكان ربع القامة بين البياض والسمرة ، حسن اللحية ، كثير الشعر ، أعين ، بعيد ما بين المنكبين ، كثير الصمت ، قليل الكلام ، وإذا تكلم تكلم بحكمة ، مهيبا ، حسن اللباس ، يأخذ من شاربه ، قال عيسى : كان صمت سحنون لله وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت وإذا أعجبه الصمت تكلم .
قال بعضهم : دخلت على الملوك وكلمتهم فما رأيت أحدا أهيب في قلبي من سحنون .
حكمته وعقله :
قال سعيد بن الحارث : كان أبو سعيد عاقلا بمرة ورعا بمرة عالما بمذهب أهل المدينة بمرة ، وقال : ما رأيت أجود قريحة من سحنون .
وقال غيره : كان سحنون أعقل الناس صاحبا ، وأفضل الناس صاحبا ، وأفقه الناس صاحبا .
وقال سحنون : ترك دانق مما حرم الله أفضل من سبعين ألف حجة ، وكان يقول : مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في الأرض العذبة يزرع عليها صاحبها فينتفع بها .
ومن حكمه : كل دابة تعمل على الشبع إلا ابن آدم إذا شبع رقد .
ومنها قوله : من لم يعمل بعلمه لم ينفعه علمه .
وكان ينشد :
لمنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه مـن الفقيه
فهذا زاهد في رأي هذا وهـذا فيه أزهد منه فيـه

قضاؤه:
لم يكن سحنون يريد القضاء أو يحرص عليه ، بل إنه لما طلب منه أن يتولاه امتنع تورعا ، ثم قبل بعد إلحاح _مع خوفه منه- لما يرجو أن يحقق من عدل وإنصاف بين الناس ، في يوم توليه للقضاء دخل على ابنته وقال : اليوم ذبح أبوك بغير سكين . وجاءه عون بن يوسف وقال له : نهنئك أو نعزيك ؟فسكت عنه قليلا ثم قال :إنه بلغني أنه من أتاها من غير مسألة أعين عليها ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها .
ثم اشترط أن لا يأخذ رزقا ولا صلة من سلطان في قضائه وأن يعان في عمله ، ومع أنه لم يكن يأخذ لنفسه شيئا إلا أنه كان يأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب.
وبنى له بيتا خاصا للقضاء بمعزل عن لغط الناس لا يدخله عليه إلا أصحاب الدعاوى والشهود .
وكان يكتب أسماء الخصوم مرتبة حسب مجيئهم ولا يقدم إلا الملهوف أو المضطر، وكان إذا دخل عليه الشاهد وخاف منه أعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه ، فإن طال ذلك به هون عليه وقال له : ليس معي سوط ولا عصا فلا عليك بأس ، أد ما علمت ودع ما لم تعلم .
وكان أول ما نظر فيه بعد توليه القضاء أحوال الأسواق ، وكانت قبله من اختصاص الولاة دون القضاة فجعل يؤدب الغاش وينفيه من السوق ، كما فرق حلق أهل البدع وشرد أهل الأهواء .
وكان يعين الأئمة للصلاة بالناس وكان ذلك فبله للأمراء والولاة .
وكان يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز في الطلاق والعتاق حتى لا يحلفوا بغير الله ، كما يؤدبهم في لباسهم وعلى ارتكاب ما نهي عنه ،ويأمرهم بحسن السيرة ، ومن جار من الخصوم في خصومته ، وطالب بما لا يعنيه أدبه وقال له : نحن نهتم بذلك أكثر منك .
وذات مرة أدب امرأة قيل إنها تجمع بين الرجال والنساء فقيدها ، ثم بنى باب دارها ، وأسكنها بين قوم صالحين .
موقفه من الحكام :
كان –رحمه الله – يقول : والله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم – يعني الحكام والسلاطين-
ولله ما أكلت لهم لقمة ولا شربت لهم شربة ، ولا لبست لهم ثوبا ، ولا ركبت لهم دابة ، وما أخذت لهم صلة ، وإني لأدخل عليهم بالتشديد وما عليه العمل[3] وفيه النجاة ثم أخرج عنهم.
ولم يكن يهابهم في الحق بل يقيم الحق عليهم كما يقيمه على غيرهم وذات مرة وجه إليه الأمير يطلب منه التخفيف على الناس – حسب زعمه– وذلك لأنه أكثر من رد مظالم الملأ وعلية القوم ولم يرض منهم التوكيل في الخصومات بل كان يطلب حضورهم لمجلس القضاء فشق ذلك عليهم ، فشكوه إلى ابن الأغلب فأرسل إليه في تذلك فقال لرسوله : ليس هذا الذي بيني وبينه ، قل له : خذلتني خذلك الله .
وكان يقول : ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه ؛ فيسأل عنه ؛ فيقال : هو عند الأمير ، هو عند الوزير ، هو عند القاضي ، فإن هذا وشبهه أشر من علماء بني إسرائيل .
وكان من تلك المظالم أن حاتم الجراوي _أحد القادة – أتى بسبي من الحرائر فأرسل سحنون بعض رجاله المحتسبين لتخليصهن ففعلوا وهرب حاتم فخرق ثيابه ودخل على الأمير شاكيا ، فطلب الأمير من سحنون أن يردهن على حاتم فأبى وأخبره أن هن حرائر لا يجوز سبيهن ،وقال للرسول :قل للأمير جعل الله حاتما شفيعك يوم القيامة ، وأقسم عليه ليبلغ ذلك إلى الأمير ، ولم يكتف سحنون بذلك بل قام بالقبض على حاتم هذا وحبسه .
محنته:
خرج سحنون يوما في جنازة فتقدم ابن أبي الجواد فصلى عليها – وكان ممن يقول بخلق القرآن – فرجع سحنون ولم يصل عليها فبلغ ذلك الأمير زيادة الله فوجه إلى عامل القيروان بضرب سحنون خمسمائة سوط وحلق رأسه ولحيته ‍، فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد ، فحبس البريد وذهب إليه في القائلة وقال له : ما شيئ بلغني ؟ ثم قال له : لا تفعل . إن العكي إنما هلك في ضربه للبهلول بن راشد وهذا مثل بهلول . قال الأمير :نعم ، ثم أخبره بحبسه للبريد فشكره على ذلك ، ثم وصل الخبر إلى سحنون ، وطلب الناس منه أن يشكر الأمير على تراجعه عما هم به فقال : لا والله لا أشكر غير الله ،ثم قال : أنا لم أبلغ مبلغ من ضرب إنما يضرب أمثال مالك وابن المسيب .
ولما ولي الإمارة أحمد بن الأغلب -وكان يقول بخلق القرآن -امتحن سحنون في هذه المسألة فقال : أما شيء أبتديه في نفسي فلا ؛ ولكني سمعت من تعلمت منهم وأخذت عنهم كلهم يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق .
قال ابن الجواد : كفى فاقتله ودمه في عنقي ، وقال غيره مثله ، وقال بعضهم : يقطع أرباعا ويجعل كل ربع في موضع من المدينة ويقال : هذا جزاء من لم يقل بكذا وكذا .
إلا أن سحنون كان واثقا من نصر الله ، وكان يقول في نفسه :
( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)[4] فصرف الله كيدهم عنه ، ورضوا منه بترك القضاء ولزوم داره فقبل ذلك ، وكان يقول لمن يتعاظم أهل البدع : أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها .


من ثناء العلماء عليه :
سئل أشهب : من قدم عليكم من المغرب ؟ قال : سحنون ، قيل : فأسد ، قال : سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة .
وحثه ابن القاسم على أن يقيم عنده ويطلب العلم ويدع الخورج إلى الغزو، وقال : إن العلم أولى به وأكثر ثوابا له .
وقال محمد بن حارث إنه جمع فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض والعلم ، وتقدم قول البهلول : إنه ممن يطلب العلم لله، وقال عيسى بن مسكين : سحنون راهب هذه الأمة .
وقال علي البصري : سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وإمام وقته . وقال محمد بن أحمد بن تميم : كان سحنون ثقة حافظا للعلم فقيه البدن ، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره : الفقه البارع ،والورع الصادق ، والصرامة في الحق ،و الزهادة في الدنيا ، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة ، وكان لا يقبل من السلاطين شيئا ، ورما وصل أصحابه بالثلاثين دينارا أو نحوها .
وقال أبو بكر المالكي : وكان مع هذا رقيق القلب غزير الدمعة ظاهر الخشوع ، متواضعا ، قليل التصنع، كريم الأخلاق ، حسن الأدب ، سالم الصدر ، شديدا على أهل البدع لا يخاف في الله لومة لائم ، انتشرت إمامته في المشرق والمغرب ،وسلم له الإمامة أهل عصره ، واجتمعوا على فضله وتقديمه ومناقبه كثيرة .
فقه وفتواه:
إن العلم كما قال الإمام مالك وابن القاسم – رحمهما الله – نور يقذفه الله في القلوب ، فهو في الأساس هبة ومنة من الله تعالى ، ومن أهم ما يعين عليه -بفضل الله -هو التقوى ودوام التعلم وقد وأنعم الله على سحنون بما فتح عليه من ذلك حتى سمي بهذا الاسم إضافة إلى الرغبة الشديدة في الحفظ والتعلم ، حتى قال سحنون عن نفسه : إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن ، وقال إني لأسأل عن المسألة فأعرف في أي كتاب وفي أي ورقة وصفحة وسطر ، فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهية الجرأة ، وكان يقول : أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما .
قال عيسى : قلت لسحنون : تأتيك المسائل مشهورة مفهومة فتأبى الجواب فيها .فقال : سرعة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال .
وقال أبو علي البصري : سحنون فقيه أهل زمانه وشيخ عصره وعالم وقته .
ومن فقهه وورعه أنه كان لا يشرب من قناطر السلاطين ، ويفتي الناس بجواز الشرب منها ، ويقول : إنما هي حجارة جمعوها ساق الله إليها الماء .
وكان له جار يشرب ويغني فصبر عليه – رجاء توبته – وسمعه ابن وضاح ، فلما ذهب إلى الأندلس ابتلي بجار مثله فهم أن يبلغ عنه فتذكر جار سحنون وموقفه وصبره عليه فصبر على جاره وبعد ما قدم القيروان سأل سحنون عن جاره فقال : لقد كفانيه الفقر وهاهو مؤذن في المسجد .
ماله وتصدقه :
قال ابن العنبري : كانت غلة زيتون سحنون خمسمائة دينار في السنة ، فما تنقضي السنة إلا والديون عليه لكثرة صدقته ومعروفه .
وقال عبد الله بن سعيد الصائغ : دفع سحنون يوما لرجل صرة دنانير وهو في بيته ثم قال له : اذهب فأول من تلقاه ادفعها إليه .
وقال حمديس : دخلت عليه يوما وهو يأكل خبزا يبله في الماء ويغطسه في الملح ، فقال : أما إني لم آكله زهادة في الدنيا ولكن لئلا احتاج إلى هؤلاء فأهون عليهم ، ثم صاح بجارية فأتت بصرة فيها عشرون دينارا ، فقال :ادفعه لثلاثة رجال صالحين ممن يسكن عندكم فإن لم تجد ثلاثة فإلى اثنين فإن لم تجد فإلى واحد .
وقال حمديس : ماتت لأبي خادم ثمنها ثمانية وعشرون دينارا فعرض علي سحنون ثمنها لاشتري لأبي منه خادما ، فقلت أنا عن هذا غني .
وفاته-رحمه الله- :
توفي أبو سعيد سحنون بالقيروان سنة أربعين ومائتين(240هـ) ، قال أبو الأحوص المتعبد : رأيت سحنون في المنام وقد تهيأ للخروج إلى الصلاة مع ابنه محمد فأتيته بثوب أبيض ، فقال لي : أما علمت أنا لا نقبل الهدية ، فقلت : ليست بهدية ، لكن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أدفعه إليك ، قال لي : أين رسول الله ؟ فقلت له: هاهنا حابس ، فما قام سحنون إلا يسيرا حتى مات ، و رأيت له مراء غيرها ، ولما توفي حزن عليه الناس ورثاء الشعراء فقال فيه عبد الملك بن قطر قصية أولها :
من يبصر البرق فوق الأفق قد لمعا لما تسربل ثوب الليل وادرعا
ولى لعمري بأرض الغرب قاطبـة ميت له البدووالحضارقدخشعا
ثم يقول:
هناك برزت يـاسحنون منفــردا كسابق الخيل لما بان فانقطعـا
فاذهب فقيدا حباك الله جنتــــه واحصدمن الخيرماقدكنت مزدرعا
الخاتمة:
إن سحنون واحد من نماذج الأسوة والاقتداء وأمثاله كثيرة ، مما يجعلها جديرة بالعناية والجمع ،خاصة في هذا المرحلة من تاريخ أمتنا التي يراد لها فيه أن تعلي من شأن حثالات (هوليود)وما يسمى بنجوم التمثيل والغناء واللعب والخنا ونحو ذلك من كل هابط منحدر، مما يجعل استطلاعا للرأي في مدرسة من مدارس العالم الإسلامي[5] تكون نتيجته أن 67%من طلاب هذا الفصل لايعرفون شيئا عن خالد بن الوليد سيف الله المسلول ولا عن قاهر الصليبين صلاح الدين الأيوبي ‍‍‍مع شهرتهما ، بينما يعرفون معلومات دقيقة واسعة عن حثالات الأفلام والمسارح والمراقص والملاعب التي تقدم باسم الأبطال والنجوم!! ‍‍‍.
كل ذلك يجعلنا في حاجة ماسة إلى المزيد من دراسة ديننا الإسلامي وتاريخه وأعلامه وجمع تراجمهم وتبسيطها ونشرها بين أبنائنا وأهلنا لعلنا نسهم بذلك في رد تلك الهجمة العنيفة الموجهة إلى ديننا وثوابتنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا كذلك بوسائل كثيرة متنوعة .
وأخيرا ألخص أهم جوانب الإقتداء البارزة في شخصية الإمام سحنون –كما أراها –
في النقاط التالية :
1-إتقانه للعلم وحرصه عليه .
2- لزوم التقوى والورع .
3-العفة وعزة النفس .
4-سلامة الصدر،وتحمل هم المسلمين .
5-الاتباع وكراهية الابتداع والشاذ من العلم .
6-الكرم والبذل .
7- الحرص على الكسب الحلال من أجل الاستغناء عن الناس .
8-إلزامه نفسه المشقة وأخذه الناس بالرفق واليسر.
9-كراهية التسرع في الفتوى.
10-طول الصمت ومحاسبة النفس قبل الكلام .
11-البعد عن السلاطين وعدم قبول هداياهم وأعطياتهم.
12 -الصدع بالحق .
13-توريث الأدب والأخلاق لجلسائه وتلاميذه وأهله حتى وصفوا بأنهم مصابيح القيروان .
14-إخفاؤه لنوافل العبادات إذ لم ير مصليا لنفل في المسجد .
وبكل تلك الصفات نال سحنون –كما أحسبه ولا أزكي على الله أحدا- رضا الله فرضي عنه الناس وأحبوه وهابوه ، وكما قيل : فإن هيبة المرء على قدر هيبته لله .
فرحم الله أبا سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي وجعلنا وإياه أئمة في الدين نقتدي بمن قبلنا فيه ويقتدي بنا من بعدنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم واقتدى بهم إلى يوم الدين .
كتبه
أبو أحمد
في مكة المكرمة
في 14/4/1421هـ

راجع ترجمة سحنون في المراجع التالية :
1-ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض اليحصبي 1/339-363.
2-الديباج ص 161.
3-وفيات الأعيان لابن خلكان 3/180-182.
4-تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة الإمام مالك تأليف الدكتور الطاهر محمد الدرديري 1/196-212.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة هود - عليه السلام- الآية 120 .

[2] التي تستمد الاعتراف بها من منظمة الأمم المتحدة، واتفاقيات سايس وبيكو!
[3] أي أنه لا يفتيهم بالرخص بل بواضح المسائل التي جرى عليها العمل .
[4] سورة آل عمران الآية 173.

[5] كما في كتابوقفات تربوية من إصدارات مركز الطوير الفكري .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نفحة عطر

avatar

التخصص : ممممممممم
انثى عدد المساهمات : 516
العمر : 26
العمل/الترفيه : طالبة

مُساهمةموضوع: رد: محمد بن سحنون   الخميس مارس 10, 2011 2:55 pm

آل سحنون أسرة قيروانية من أصل شامي ذات مجد علمي، أنجبت أعلاما من الفقهاء في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ونريد اليوم أن نتوقف عند واسطة عقد هذه الأسرة: الإمام محمد ابن –مؤسس مجدها- سراج القيروان عبد السلام بن سعيد الشهير بسحنون، لنعرف بسيرته وأعماله الجليلة في خدمة العلم، ودعم هذا المجد السحنوني الذي دام نحو مائة سنة وثلاثة عقود من السنين.

ولادته ونشأته وشيوخه في القيروان

ولد أبو عبد الله محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي سنة 202هـ 817م، في القيروان عاصمة الدولة الأغلبية في عهد ثالث أمرائها زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب (201-223هـ)، وعاصر ستة من أمراء هذه الدولة التي استقلت عن الخلافة العباسية ووطدت الأمن في إفريقية، وأسهمت في نشر الإسلام ودعم العربية، وشجعت العلماء وناصرتهم.

نشأ محمد بن سحنون في القيروان مستفيدا من المناخ العلمي الذي كانت تحتضنه، فقد كانت سوق العلم نافقة بها، وكان الكثير من طلبتها يرحلون إلى المشرق ويعودون بعلم جم، ويروون الأحاديث وينشرونها، وكانت تستقبل الوافدين من أعلام المشرق، ومنهم المتضلعون في فنون علمية مختلفة، وفي جامع عقبة بن نافع وفي غيرها من مساجدها تنتظم حلقات الدروس، وتنعقد المناظرات العلمية التي تتناول مسائل العقيدة وفروع الفقه في مستوى الخلاف العالي.

وقد شاءت العناية الإلهية أن يتوالى تربية محمد والده الإمام سحنون الذي كان في الثانية والأربعين عندما ولد محمد، فكان الوالد شديد التعلق بقرة عينه محمد، يخاف ألا يطول به العمر، فلا يراه في مراتب العلم السامية، وكان يقول: «ما غبنت في ابني محمد إلا أني أخاف أن يكون قصير العمر»، وقد أنعم الله على الإمام فعاش حتى رأى ابنه يكاد يختم العقد الرابع من عمره، ويتبوأ مكانة فائقة بين علماء عصره.

وكان سحنون يجتهد في تربية ابنه محمد على الأخلاق الحميدة، ومن ذلك أنه كان يقول له: «يا بني: سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة، وسلم على عدوك وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس».

وكان يتفرس فيه أن يكون له شأن في مجال العلم، وأن يبلغ فيه درجة الإمامة، كما كان يلحظ ما امتاز به منذ طفولته من ذكاء ونباهة وإحساس مرهف، فكان يوجه مؤدبة إلى الطريقة المناسبة في معاملته قائلا: «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف واتركه في نحلتي، فإني أرجو أن يكون نسيجا وحده وفريد زمانه».

وكان سحنون يشبه ابنه بعلم شهير من أعلام المالكية، وهو أشهب بن عبد العزيز المصري، صاحب مالك، فيقول: «ما أشبهه إلا بأشهب»، وكان سحنون يقول عن الفقيه أشهب: «رحم الله أشهب ما كان أصدقه وأخوفه لله تعالى، ما كان يزيد حرفا واحدا .. ما كان أحد يناظر أشهب إلا اضطره بالحجة حتى يرجع إلى قوله ..».

والشيوخ الذين أخذ عنهم محمد بن سحنون في القيروان كثيرون، وفي مقدمتهم والده الإمام، فقد كان يلازم دروسه في البيت والجامع الأعظم، يسمع منه ويستفيد من علمه الغزير، «وعليه معتمده» كما قال المؤرخ أبو بكر المالكي.

ثم إن المعروفين من مشيخة محمد بن سحنون بالقيروان هم:

1- أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي (225هـ)

2- عبد الله بن أبس حسان اليحصبي (227هـ) على الراجح وكان سحنون نفسه يستفيد من هذا الشيخ، فيقول: «كنت أول طلبي إذا انغلقت علي مسألة في الفقه آتي ابن أبي حسان، فكأنما في يديه مفتاح لما انغلق».

3- عبد المؤمن بن مستنير الجزري.

4- أبو محمد عبد العزيز بن يحيى المدني الهاشمي، وهو وافد على القيروان سنة (225هـ)

5- بقي بن مخلد القرطبي المحدث الأندلسي الشهير (276هـ)، دخل القيروان للأخذ عن إمامها سحنون، وعن ابنه محمد أيضا، فسمع منه محمد، يروي عنه أنه قال: «قدمت على سحنون، فكان ابنه محمد يسمع مني في داخل بيت سحنون بمحضر سحنون»

رحلته المشرقية

رحل محمد بن سحنون إلى المشرق سنة (235هـ)، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، لأداء فريضة الحج ولأخذ العلم عن أعلام المراكز الشرقية، وهو يقتفي أثر أبيه الذي رحل، ثم عاد بعلم جم وبالمدونة الكبرى التي أخذها عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم في مصر وبها انتشر المذهب المالكي في المغرب والأندلس وكانت عمدة المالكية في دراسة مذهبهم.

قال افمام سحنون وهو يودع ابنه: «إنك ستقدم على بلدان –سماها- إلى أن تقدم مكه، فأجهد جهدك، فإن وجدت عند أحد من أهل هذه البلدان مسألة خرجت من دماغ مالك بن أنس، وليس عند شيخك –يعني نفسه- أصلها، فاعلم أن شيخك كان مفسرها»

وكان ابن سحنون حريصا على تنفيذ وصاية أبيه كثير الاتصال بالشيوخ الذين كانوا يكتشفون فيه بوادر النبوغ وسعة الاطلاع، يقول عنه المالكي المؤرخ: «لما وصل إلى مصر نزل على أبي رجاء بن أشهب .. فكان علماء مصر يأتونه ويسلمون عليه، فأتاه المزني صاحب الشافعي، فيمن أتاه، وجلس معه كثيرا ليقل الناس ويخلو معه، فلما خرج قدمت إليه دابته ليركب، فقيل له: كيف رأيته؟ قال: لم أر والله أعلم منه، ولا أحد ذهنا على حداثة سنه».

وقد اختلف المزني مع هارون بن سعيد الأيلي، فتحاكما إلى محمد بن سحنون، لما عرفا له من المكانة العلمية الفائقة.

وكما لمع نجمه في مصر لمع في المدينة المنورة عندما شارك في حوار علمي بمجلس في الحرم المدني. وكان له اتصال بكثير من الأعلام المشارقة، استفاد منهم، ولكن مصادر ترجمته كانت ضنينة بالمعلومات الوافية عن هذه الرحلة، فلم تذكر من شيوخه فيها إلا ثلاثة، وهم:

1. يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة (240هـ)

2. أبو مصعب أحمد بن القاسم الزهري القرشي قاضي المدينة (242هـ)

3. أبو عبد الرحمن سلمة بن شبيب النيسابوري الحجري نزيل مكة (247هـ)

وأفادنا أبو بكر بن اللباد أن أهل الموقف في الموسم الذي حج فيه ابن سحنون غلطوا في يوم عرفة، فأفتاهم ابن سحنون بأن ذلك يجزئ من حجهم.

لقد رجع محمد بن سحنون من رحلته مليء الوطاب علما، فقد زكت بها ملكته العلمية، وسمع الحديث، وحاور العلماء وناظرهم، فكانت رحلة مثمرة كونت رافدا مهما من روافد تكوين شخصيته.

انتصابه للتدريس وتلاميذه

بعد اكتمال الملكة العلمية لمحمد بن سحنون، وظهور بوادر نبوغه، انتصب في التدريس في القيروان أثناء حياة والده، قال المالكي: «كانت له حلقة غير حلقة أبيه». وأفادنا بقي بن مخلد الأندلسي أنه «سمع من محمد بن سحنون في داخل بيت سحنون بالقيروان»، وكان لابن سحنون مسجد بالقيروان منسوب إليه يعقد فيه حلقات الدرس، وتواصلت عنايته بالتدريس بعد وفاة والده الإمام، فقد قال ابن حارث: «جلس مجلس أبيه بعد موته».

مناظرات محمد بن سحنون

تجلى نبوغ الإمام محمد بن سحنون وبراعته في مجال المناظرة التي هي ضرب من الحوار العلمي يناقش فيه الرأي المخالف، ويدعم الرأي المنصور بالحجة والدليل لإقناع المعارض به، وشملت مناظراته إثبات صحة العقيدة الإسلامية، وإثبات صحة الاتجاه السني الذي أخلص له ابن سحنون، ودعم ما رجحه من الأحكام والفروع الفقهية التي كان له فيها اجتهاد.

ومن مناظراته الشهيرة، تلك التي خاضها بمصر مع يهودي ينافح عن عقيدته، وانتهت باقتناع اليهودي بالعقيدة الإسلامية وإسلامه، وقد طالت هذه المناظرة وأظهرت براعة ابن سحنون ومقدرته على إثبات ما يؤمن بصحته.

ولاشتهاره بهذه المقدرة، أصبح بعض الأمراء يدعونه للمناظرة في مجالسهم التي يبدو فيها تفوقه وغزارة علمه وقوة حجيته.

وللمناظرة والجدل أدب معلوم، وسلوك مضبوط ألفت فيها مصنفات حددت قوانينها وأوضحت منهج المناصرة السليم، لتؤدي غرضها المقصود، وتنتفي عنها أوشاب التعصب المقيت والشحناء البغيضة والأساليب الشائنة والهوى الذي يعمي ويصم.

وكان لابن سحنون إسهام في التأليف في هذا المجال النظري، فقد ألف كتابا في جزءين وسماه «آداب المتناظرين» وهكذا خاض في المناظرة مجالي التطبيق والتنظير والتقنين، وشهد مترجموه له بالبراعة في المناظرة فمن ذلك قول يحيى بن عمر: «كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة وألقنهم بها، وكان يناظر أباه».

ومن ذلك قول ابن حارث الخشني: «كان عالما فقيها مبرزا متصرفا في الفقه والنظر ومعرفة احتلاف الناس والرد على أهل الأهواء والذب عن مذهب مالك». ومن ذلك أيضا قول ابن القيم: «كان الغالب عليه الفقه والمناظرة وكان يحسن الحجة والذب عن السنة والمذهب».

مؤلفاته

إن محمد بن سحنون من العلماء المكثرين في التأليف في مختلف فنون العلم، ولكن أغلب مؤلفاته لم تصلنا، كان يصرف أوقاته في خدمة العلم تدريسا وتدوينا، وأحيانا يصل الليل بالنهار مستمرا في التأليف عندما يشده الموضوع ويملك لبه. روى المالكي أنه كانت له سرية يقال لها أم مدام فكان عندها يوما من بعض الأيام، فقال لها: ما عندك الليلة يا أم مدام؟ فقالت: «زوج فراخ» فقال: اصنعيهما لنا الليلة، ففعلت ذلك، وقد أخذ فيما هو فيه من التأليف في كتاب يرد فيه على بعض المخالفين، فاشتغل في ذلك إلى الليل، فلما حضر الطعام استأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة، فلما طال ذلك عليها، أقبلت تلقمه الطعام، إلى أن أتى على الفرخين، ثم تمادى فيما هو فيه، إلى أن أذن في الجامع لصلاة الصبح، فقال لها يا أم مدام شغلنا عنك الليلة، قربي ما عندك من الطعام، فقالت: قُدّ، والله يا سيدي أطعمته لك، فقال: ما شعرت بذلك، لشغله وتعلق قلبه بما كان فيه من التأليف.

وأكبر كتبه وأكثرها بسطا هو كتابه الكبير المسمى بالجامع وهو متضمن أجزاء عدة ذكر القاضي عياض أنها مائة جزء، وذكر غيره أنها مائة وعشرون جزءا.

ولقد لقيت مؤلفاته القبول والاستحسان والرواج خارج حدود أفريقيا، فوصلت إلى مصر والعراق شرقا، ووصلت إلى الأندلس غربا، ونوه ببعضها ابن حزم. كما نوه بالبعض الآخر القاضي إسماعيل البغدادي، وقال محمد بن عبد الحكم المصري لما قرأ واحدا منها: «هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا». وجعلها عبد الله بن أبي زيد القيرواني من مصادر كتابه الشهير «النوادر والزيادات» فصار هذا الكتاب متضمنا لنصوص ما فقد من مؤلفات ابن سحنون، وفي مصر كتب مصنفه في الإمامة بماء الذهب وأهدى للخليفة، وفي العراق كتبت مؤلفات أخرى بماء الذهب.

كتابه «آداب المعلمين»

هذا أحد كتابين من مؤلفات ابن سحنون وصلنا، ثانيهما «الأجوبة» وهو مجموعة فتاوى أجاب بها عن أسئلة تلميذه محمد بن سالم وقد حققه الأستاذ حامد العلويني.

وكتاب آداب المعلمين نشر أكثر من مرة في تونس والجزائر ومصر، وانصب عليه اهتمام الباحثين دراسة وتحقيقا، ومسائله تتعلق بأحكام المعلمين والمتعلمين والعلاقة بينهما، وبين والوالي والمعلم، والإجارة على التعليم، وتوجيه الأطفال على منهج الشرع.

إنه كتاب تربوي كان به صاحبه من رواد البحث في مسائل التربية والتعليم، وهو مصطبغ بالصبغة الفقهية، مشتمل على فتاوى لنوازل حدثت، وعلى إشارات لعادات جرت في عصر مؤلفه، مثل عادة رمي الفاكهة على الناس عندما يختم الطفل حفظ القرآن، وقد عارضها ابن سحنون وأفتى بمنعها. وقد أسهم هذا الكتاب في تجلية النظرة التربوية في الإسلام، وكان له أثر في توجيه المعلمين وإرشاد المربين وأولياء الناشئة.

خاتمة

تفخر المدرسة المالكية في القيروان بأنها أنجبت علما جليلا من أسرة نابهة، وهو محمد بن سحنون الذي بلغ رتبة الاجتهاد الفقهي وتفاني في خدمة العلم ونشره بهمة وعزيمة وتواضع وورع، وأقبل على التقرب إلى ربه بالعبادة والنوافل والمرابطة بقصر المنستير منافحا عن الأرض الإسلامية وحوزة الدين بشجاعة وبسالة، وامتاز بصفات نبيلة أخرى، كانت من عوامل رفعة مكانته في المجتمع القيرواني مثل الثقة والأمانة والشفقة على المساكين والإحسان إلى الناس والسماحة في معاملتهم.

وفي عصر محمد بن سحنون في القيروان تتوافر ثلة من أقرانه من العلماء كانوا نجوما في سماء حضارتنا الإسلامية الزاهرة، ولكن ابن سحنون كان واسطة عقدهم.



أ‌. د. محمد أبو الأجفان

مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، عدد 396، 1998م

صف حروفه للنشر د. خالد

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نفحة عطر

avatar

التخصص : ممممممممم
انثى عدد المساهمات : 516
العمر : 26
العمل/الترفيه : طالبة

مُساهمةموضوع: رد: محمد بن سحنون   الخميس مارس 10, 2011 2:59 pm

مركز المرابطين للدراسات والاستشاارات والبحث العلمي /m2i.maktoobblog.com

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
محمد بن سحنون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المدينة التكنولوجية :: 
المدينة العامة
 ::  ساحة الحرية
-
انتقل الى: